ابن جماعة

83

المختصر الكبير في سيرة النبي محمد ( ص )

الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ( 9 ) وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 10 ) [ يس : 1 - 10 ] . ومضى رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) فأتاهم آت ممن لم يكن معهم . فقال : ما تنتظرون هاهنا ؟ قالوا : محمدا . قال خبتم وخسرتم . قد - واللّه - مرّ بكم ، ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا ، وانطلق لحاجته . أفلا ترون ما بكم ؟ قالوا : واللّه ما أبصرناه ، وقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ، ثم جعلوا ينظرون فيرون عليّا على الفراش ملتحفا ببرد رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) فيقولون : واللّه إن هذا لمحمد نائما ، عليه برده . فلم يزالوا كذلك حتى أصبحوا . فقام عليّ [ ص / 26 ] عن الفراش فقالوا : واللّه لقد صدقنا الّذي كان حدثنا . وسألوا عليّا عن رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) قال : لا علم لي به « 1 » . وكان مما أنزل اللّه - تعالى - في ذلك وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [ الأنفال : 30 ] « 2 » وصار رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) إلى منزل أبى بكر - رضى اللّه عنه - ظهرا ، فقال : " أخرج من عندك " فقال : يا رسول اللّه ، إنما هما ابنتاى . فقال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) : " إن اللّه قد أذن لي في الهجرة ، فقال أبو بكر : الصحابة « 3 » يا رسول اللّه ، فقال رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) : نعم .

--> ( 1 ) انظر تاريخ الطبري 2 / 373 - 374 . ( 2 ) سورة الأنفال : الآية ( 30 ) . وقال الطبري 7 / 398 في تفسير قوله تعالى : " واللّه خير الماكرين " : المكر من للّه هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون . وقال الزمخشري في الكشاف 1 / 302 : أي مكره أنفذ من مكر غير وأبلغ تأثيرا لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل ولا يصيب إلا بما هو مستوجب . وفي النهاية 4 / 103 في حديث الدعاء : اللهم امكر لي ولا تمكر بي ، مكر اللّه إيقاع بلائه بأعدائه دون أوليائه ، وقيل هو استدراج العبد بالطاعات فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة ، والمعنى : ألحق مكرك بأعدائى وأصل المكر الخداع ، وفي التاج : قال الليث : المكر من اللّه تعالى جزاء سمى باسم مكر المجازى ، وقال الراغب : مكر اللّه إمهاله العبد وتمكينه من أغراض الدنيا وفي الفروق اللغوية لأبى هلال العسكري ص 215 أن الكيد والمكر متغايران والشاهد أن الكيد يتعدى بنفسه والمكر يتعدى بحرف فيقال كاده يكيده ومكر به ولا يقال مكره . ( 3 ) كذا في كتب السيرة ، وتاريخ الطبري 2 / 375 ، وفي فتح الباري بشرح صحيح البجارى لابن حجر العسقلاني الحديث رقم 3905 كتاب مناقب الأنصار .